زهرة التوليب .. قصة جشع تتكرر

نادي السلام عضو شرف النادي عبدالواحد محمد المطر الكاتب بصحيفة مال الاقتصادية الالكترونية
تبهرني قصة زهرة التوليب (الخزامى) في هولندا أو ماصطلح عليه هوس التوليب في كل مرة تخطر على بالي فهي تعبر عن صفات انسانية متجذرة في كل البشر . القصة أصبحت من كلاسيكيات الدراسات الاجتماعية فهي مليئة بالعبر والدروس التي نستطيع ربطها بما نعيشه الان بالخصوص. انتشرت وردة التوليب في اوروبا عن طريق هدية من السلطنة العثمانية لامبراطور روما ومنها انتقلت بعد تطوير نسلها ليصبح بالامكان زراعتها في الاراضي المنخفضة ( هولندا). ( بدايات القرن ال 17 ) . كانت فترة العصر الذهبي الهولندي حيث توفرت سيولة نقدية وزادت ثروات الكثيرين تبعا لتعاظم قوة هولندا الاقتصادية الاتية من تطورها الصناعي والفني وسيطرتها على خطوط التجارة وبالاخص الشرق الاقصى. مظهر زهرة التوليب المختلف عن كل زهرة أخرى معروفة إلى أوروبا في ذلك الوقت ساهم باعتبارها رمزا لمكانة الطبقة الراقية في ذلك الوقت بالتزامن مع صعود ثروات التجارة في هولندا. في ذروة الهوس ، مارس 1637م ، كانت الزهرة الواحدة تباع بأكثر من 10 أضعاف الدخل السنوي لحرفي ماهر . للمقارنة ، يكفي أن تعرف أن متوسط الدخل السنوي للفرد آنذاك كان يعادل 150 فلورينة. لم يقتصر تداول التوليب على النقود، بل تمت مقايضتها بالأراضي والمواشي والبيوت. سجلت في العام 1635 صفقة تم من خلالها تداول 40 بصلة توليب مقابل 100.000 فلورينة. بالمقابل نذكر بأن طناً من الزبدة لا يكلف سوى 100 فلورينة، مع حلول عام 1636 دخلت بصات الزهور السوق المالي وانتشرت في أغلب البلدات الهولند ية، شجع الانتشار مختلف فئات المجتمع على الدخول بأموالهم وحتى بممتلكاتهم للمضاربة عليها. استطاع العديدون تحقيق مكاسب كبيرة وازداد طمعهم . حتى قام البعض ببيع أبصال التوليب التي زرعوها للتو، وباع آخرون أبصال التوليب التي ينوون زراعتها فيما يشبه تداول العقود الآجلة. في فبراير من عام 1637 لم يعد متداولو بصل التوليب يحصلون على عروض شراء أعلى مقابل البصل، وبدؤوا البيع وأخذ الشك يراود الناس بأن الطلب على بصل التوليب سيختفي، وهذا ولد ذعراً عارماً وأدى لانفجار الفقاعة. أصحاب العقود الآجلة باتوا يحملون عقوداً لا يساوي سعرها الحالي عشر ما نصت عليه العقود. أدى الانهيار السريع (الانهيار عادة أسرع من الارتفاعات) الى خسارة آلاف الهولنديين وانهيارهم ماليا بمن فيهم رجال الأعمال وأصحاب المناصب. تأمل عزيزي القارئ هذه القصة وحاول ربطها بقصص عشناها مؤخرا ومازلنا نعيشا الى اليوم وكلها ترجع للمربع الأول (الطمع). كان المتداولون وقتها يعلمون عدم منطقية السعر ولكن كان لسان حال الكثيرين ، لماذا لاأركب الموجة وأغتني وأخرج قبل الآخرين . أنه ذات الفخ الي يقع فيه الراكضين للثراء السريع. تكررت مثل هذه المغامرات عندنا في المملكة بصور عديدة نذكر منها : تداول شركات بأكثر من 10 أضعاف قيمتها الدفترية مع كونها شركات خاسرة أو ذات ربحية بسيطة جدا وبدون أي خطة استراتيجية جديدة لتغيير حالها . يفرح المضاربون بداية بالأرباح السريعة وينادون بمطلحات السوق الحرة وأن ذلك تجارة برضا الطرفين حتى تقع الفأس في الرأس ويبدأ البع الجماعي للسهم. تجارة مكائن سنجر وأسعارها التي قفزت للالاف مقابل قيمة حقيقية لاتتجاوز المئتي ريال بناء على اشاعة معدن الزئبق. مساهمات سوا والبيض والتمور وغيرها التي تعتمد على نظام اللاستثمار(القمار) الهرمي بحيث يدفع المقامر الجديد أرباح من سبقوه حتى تكبر الفقاعة وتنفجر. قصص كهذه ستحدث مرة أخرى فالافاقين لن يعدمو ابتداع طرق جديدة لكسب المال وسط قناعتهم أن الطمع والغرور صفتان متأصلتان في الطبيعة البشرية وكل مايحتاجوه هو توفر الظروف المناسبة . الظروف تولد في الغالب من توفر سيولة كبيرة وانفتاح في التجارة وتراخي الرقابة. ظاهرة هوس التوليب ستظهر لك بشكل مختلف كل مرة.