موانع العمل التطوعي - الأندية بين الإنتصار و الإنكسار (ج 3)

وكما قلت في الجزء السابق هنا اطرح بعض التساؤلات حيال الموانع لاستقطاب الكوادر الإدارية..وهي غالباً موانع العمل الاجتماعي  لكثير من الأفراد وليست مقتصرة على بلدنا العوامية وليست كذلك مقتصرة على مجال الأندية فقط بل ربما تشمل باقي المؤسسات الاجتماعية وان كنت لا أحبذ التعميم هنا... ونبدأها بـ:

أ‌. عدم توفر الوقت: وربما هو أكثر عذر لدى العديد من الأفراد خاصة ان العمل والخدمة في المؤسسات الاجتماعية مثل النادي هو على حساب الوقت الشخصي للفرد الذي غالباً يرغب في الاستفادة منه لصالحه شخصياً أو لصالح عائلته..ومن ثم يأتي المجتمع الذي لا أب له ؟ ..وسؤالنا كيف يتوفر الوقت لبعض الأفراد لأمور ربما تكون أقل منفعة للشخص أو للمجتمع...أو... في سبيل خدمة فرق الحواري بشكل شبه يومي ...و لا يتوفر ذلك لخدمة النادي ولو بشكل أسبوعي مثلاً... وهل هذا يعني إن الحواري أولى و أهم بالنسبة إليهم من النادي ...أم ماذا ...واترك لكم ولهم الإجابة ؟

ب‌. عدم الرغبة في تحمل المسئولية: والمقصود عدم الرغبة في الالتزام بالمسئولية الاجتماعية ولو بقدر يسير فيما يخص العمل التطوعي ودعم المؤسسات الاجتماعية والشبابية سواء كان في النادي أو الجمعية أو غيرها.وقلما نجد الحماس والرغبة لدى الكثيرين للدخول في عضوية مؤسسات البلدة والبعض ربما ينضم مجبراً لعدم وجود بديل أو لعدم اكتمال النصاب القانوني ...في حين إن البعض يشعر ان العمل الاجتماعي مسئولية ثقيلة لا يستطيع القيام بها فيبتعد عنها ويتركها للآخرين..وربما يجدها ( وجع راس..على الفاضي.. حسب كلامنا الدارج) خاصة إذا كانت لديه أو لدى بعض ممن يعرفهم تجربة سابقة في المجال الاجتماعي...ولم يجد من الناس والعاملين معه التقدير والإحسان بل على العكس يتم توجيه اللوم والانتقاد والكلام السيئ له من الآخرين!!!

ت‌. عدم وجود المبادرة: وهذا يعني ان الإنسان غالباً ينتظر دعوة رسمية مباشرة باسمه من مجلس الإدارة للانضمام للعمل الإداري ..وفي ظل غياب مثل هذه الدعوة فكثير من الأفراد يترددون أو لا يبادرون للدخول في فريق العمل...وربما يقوم مجلس الإدارة بدعوة كثير من الكفاءات ولم تستجيب لسبب أو لآخر...في حين هناك أفراد آخرين يرحبون جداً بمثل هذه الدعوة متى ما قدمت إليهم. وهنا يكمن مربط الفرس..فغالباً مجلس الإدارة ليس لديه العلاقات الواسعة مع جميع الطاقات والكفاءات في البلدة..لاستقطابها للنادي ..وتلك الطاقات قد تتخوف من صد مجلس الإدارة لها في حال جاءت بنفسها لخدمة النادي..فتظل الطاقات معطلة ويبقى الحبل بين الطرفين مقطوع كل ينتظر الآخر...لعل و عسى يأتي الفرج ؟؟.

ث‌. فقدان التعاون و الشللية : وهذا يعني إن من يملكون القرار في الفريق أو أي مؤسسة اجتماعية يعملون ضمن نطاق ضيق (شللية أو تحزب) لمصالح وأهواء ذاتية وفقاً لرأيهم الخاص مع تهميش رأي الآخرين خاصة الذين يختلفون معهم والعمل على تطفيشهم وإبعادهم من التواجد لخدمة الناس بغض النظر عن نوعية وأهمية تلك الآراء. ومن المعروف إن ليس كل الناس يمكنهم الصبر والاستمرار في حال عدم الاهتمام برأيهم مما يجعلهم يبتعدون عن العمل الاجتماعي أما مباشرة لشعورهم بالتهميش أو بعدم الدخول مجددا في الفريق. وهذا ينطبق على القادم الجديد للإدارة الذي تراه يسعي بقوة لجلب الأصحاب المقربين وبدونهم ينسحب من الانضمام للإدارة ويعتقد بعدم إمكانية العمل مع غيرهم حتى ولو كانوا يتمتعون بالكفاءة العالية والسمعة الحسنة.

ج‌. الملل والتشبع: وهذا المانع نجده لدى من عمل بالمؤسسات التطوعية والاجتماعية لعدة فترات زمنية فيشعر بالتشبع وحان الوقت لإعطاء المجال والفرصة للآخرين لخدمة الناس فلا تكون لديه الرغبة في المواصلة الا اذا كان ربما مكرهاً لعدم وجود البديل. وبشكل عام يعتبر التغيير صحي لتواصل الأجيال بعضها مع بعض في تسيير مؤسساته الاجتماعية. وهذا ينطبق كذلك على اللاعبين الذين مارسوا اللعبة فترة طويلة وجاء الوقت لاعتزال تلك اللعبة فتجدهم أيضا لا يرغبون في الدخول بالمجال الإداري للتشبع من تواجدهم طيلة السنوات الماضية في النادي.
ولكن من الزاوية الأخرى نجد الدول المتقدمة و الشركات الكبيرة تستعين بذوي الخبرة الطويلة والكفاءة وتجدهم هؤلاء يشكلون مجالس عليا مؤثرة في القرارات المتخذة مثل ( مجلس الكونجرس (الشيوخ) الامريكي  ، أو مجلس الشورى أو مجلس الإدارة)..فمن غير المنطقي أن يتم تجاهل تلك الكفاءات والخبرات ولو من خلال مجلس استشاري داعم لأي إدارة قائمة. وكذلك من غير الطبيعي إن تبتعد تلك الكفاءات بنفسها و لا ترغب في منح خبراتها وتجاربها للآخرين أو الدخول في المجلس الاستشاري أو الشرفي الذي ربما يجتمع 4 مرات بالسنة أو أقل من ذلك.
 
ح‌. عدم القناعة بالحافز: بشكل عام يعتبر نوعية الحافز هو أهم نقطة لكل شخص في ضعف او قوة انطلاقه واندفاعه وبذل الجهود نحو تحقيق اهدافه ..بل قد يتعدى ذلك إلى بذل التضحيات (أو كما نقول بذل ..الغالي والنفيس) في سبيل الوصول لتلك الأهداف. وسؤالنا يا ترى ما هو الحافز لإفراد المجتمع للعمل التطوعي والإداري في النادي..خاصة انه لا يوجد أي مقابل مادي دنيوي يحصل عليه..وعلى العكس ربما يجد الحديث عنه بغيبة أو سوء نية في بعض المجالس والمنتديات.. ولكن سرعان ما يتلاشى هذا الحافز عند معرفة ان النادي يعاني من ديون وضائقة مالية لا يعلمها إلا المقربين والمطلعين من أمور الأندية .؟؟...

وجميعنا يعلم ان كفار قريش طلبوا من رسولنا الكريم ترك الإسلام والدعوة إليه وعرضوا عليه المال والجاه والنساء...وأي طلب يتمناه مقابل ترك ذلك الدين ...فكانت إجابته الشهيرة ( لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ..على أن اترك هذا الدين لما تركته)...فكل تلك الحوافز الدنيوية لم تقنع الرسول الكريم لترك الإسلام بينما يسيل لعاب كثير من الناس لجزء ولو يسير من تلك المغريات. ومن هنا كان لدى الأنبياء والأوصياء الإصرار والإرادة والعزيمة لهداية البشرية لطريق الرشاد بعيدا عن نعم الدنيا وما فيها حيث يقول رسولنا الكريم " ليهدين الله بك رجلا واحدا خير لك مما اطلعت علية الشمس" ، أي القناعة الإيمانية تتمثل إن هداية إنسان واحد فقط للإسلام المحمدي خير من كل كنوز الأرض وكل ما عليها..والحبيب المصطفى لا ينطق عن الهوى " إن هو إلا وحي يوحي" ...لكن من يمتلك القناعة بمثل هذا الحافز وهو لا يشعر به كشئ مادي ملموس في دنياه ؟!!

وهناك من سأل الرسول عن أفضل الناس ؟ فكانت الاجابة " أفضل الناس أنفعهم للناس"...هكذا هو الفارق..فمن يخدم ذاته فقط لا يتساوى مع من يخدم وينفع (ذاته + عائلته) وكلاهما ليسا أفضل من ينفع ( ذاته + عائلته + مجتمعه +...الخ)....فكلما كبرت دائرة من يخدمهم...كلما كان أفضل عند الله وعند الرسول...ولكم اختيار قطر الدائرة.   

 نعم هناك حوافز عديدة لخدمة النادي إداريا أو مادياً ولكن ليس بالضرورة تكون مقنعة للكثير من الناس. فهل الثواب ورضا رب العالمين هو الحافز لخدمة الشباب في النادي..بينما هناك كثير من الناس يعتقدون إن التبرع ودعم الأندية ليس بذات الأهمية والأولوية من تقديم التبرع والدعم الذي يقدم للمساجد والحسينيات و الجمعيات الخيرية لأنها أفضل وأكثر ثواباً من النادي. وبالتالي إن العمل الإداري بالنادي يصبح أقل أهمية وشأنا وفائدة للمجتمع؟!..وبمعنى آخر اذا كان الفرد يريد التبرع بـ 100 ريال مثلاً وتوزيعها على المؤسسات الاجتماعية ...فإن نصيب النادي منها ربما يكون صفرا أو 1% لأنه سيكون في درجة متأخرة في سلم الأولويات لدى الغالبية!!

ومن خلال التجربة الشخصية أجد إن الأندية من أكثر المؤسسات استقطاباً في المجتمع نظرا لتواجد شريحة واسعة من الصغار والشباب وهم يشكلون عادة نسبة تزيد عن 60% من المجتمع ..ويعتبر النادي ميدان عمل اجتماعي كبير ومؤثر جداً في توجيه ورعاية سلوك أبناءنا طالما تواجد المشرفون الإداريون المخلصون والحريصين على جعل الأخلاق والسلوكيات ورضا الله سبحانه وتعالى والوالدين قبل المهارات الرياضية و الفوز بالكؤوس. وأكاد اجزم انه في كل منزل من البلد قد تواجد فرد من الأسرة في النادي سواء كلاعب أو إداري أو مشارك في فعاليات ثقافية واجتماعية لفترة زمنية قصيرة أو طويلة. والمؤسف حقاً ان هذه الساحة الاجتماعية الكبيرة تعتبر شبه مهملة من المجتمع ومتروكة لبضعة أفراد قليلون لغياب الوعي تجاهها ...ليس من فقط من عامة الناس بل حتى كثير من علماء الدين يتحرجون في الدخول والقدوم للنادي..وهذه تعتبر إشارة أو دلالة للآخرين إن النادي غير مرغوب فيه وان كانت بشكل غير مقصود.

ولكي أؤكد أهمية جاذبية الرياضة وبشكل فطري لدى الإنسان نجد إن حصة الرياضة في المدرسة تعتبر الأفضل لدى الغالبية العظمى من الطلاب وينتظرونها بشغف و ربما لا يملون من ممارستها على عكس باقي الحصص والمواد الأخرى وذلك نابع من تلاشي القيود و إتاحة الحرية للطالب بالإبداع والانطلاق البدني والفكري للتغلب على المنافسين على ارض الميدان. وازيد على ذلك ان جزء كبير من ارباح الشركات الكبرى مثل مايكروسوفت وسوني مصدرها برامج الألعاب لالكترونية نظرا للإقبال الشديد للصغار والشباب عليها والبحث عن الإصدارات الجديدة بالرغم من إن منفعتها أقل من الممارسة الفعلية للفرد بدنياً وصحياً. ومن المعروف إن الإسلام يؤكد إن المؤمن القوي خير من الضعيف..ومعلوم ان القوة يكتسبها البدن من ممارسة الرياضة بشكل يومي وشديد لعدة ساعات..وهذا ما يطبق في أفضل الكليات والجامعات العسكرية بما فيهم رجال الكوماندوز (القوات الخاصة او رجال الصفوة من القوات العسكرية)، وعدا ذلك فالهزيمة واردة لا محال وقوة البدن ستنهار سريعا في أول مواجهة ولو كانت رياح بسيطة.
  
وربما تكون هناك حوافز أخرى للبعض مثل حب الظهور والوجاهة الاجتماعية والإعلامية !! أو إن الحافز نتيجة لتواجد مجموعة أصدقاء تعودوا على بعضهم البعض ومتى ما ابتعد احدهم ابتعد الباقي معهم ...وهكذا...فالزبد يذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس؟
 
خ‌. عدم توفر الموارد المالية: المال وما أدراك ما المال...وهو مغير الأحوال لكثير من الناس والجهات و لا يمكن لأي فرد ان ينكر الدور المادي لاستمرارية وتطوير أي مشروع حتى في العمل الاجتماعي والخيري ، وهو لب وعصب أغلب المشاكل التي يواجهها الإنسان على المستوى الشخصي او على مستوى المجتمعات والدول؟ وهذا ما يشير اليه الامام علي بقوله " لو كان الفقر رجلاً لقتلته" لأنه قد يؤذي الإنسان ويفقد صبره فيضطر للسرقة أو مد يد العون أو ترك المبادئ من أجل اكتساب الثروة..وهكذا الدول الفقيرة التي يتلاعب بها الأغنياء كيفما شأؤا ؟

وعند الحديث عن الموارد المالية للاندية ..فحدث و لاحرج ، وأشير هنا الى سلسلسة تحقيقات حديثة لصحيفة الاقتصادية والتي بدأت نشرها اسبوعيا كل يوم سبت اعتبارا من بداية هذا العام محرم 1430هـ / يناير 2009م بعنوان " 120 نادياً تحت خط الفقر.." وهي الأندية الصغيرة بل قل هي الفقيرة والمعدومة حسب رأي الصحيفة التي لا يتوفر لديها منشآت أو مقرات واغلب الاندية أصبحت في حال يرثى لها ..فلا ملاعب صالحة و لا مقرات نظيفة...وبعض الاندية صارت مثل الحوش المهجور وكأننا لسنا في المملكة الأغنى بلد في العالم بترولياً. فمنذ توقف ميزانيات الاندية منذ أكثر من 10 سنوات...وللأسف لم يستطع الكثير من الإداريين الذين تطوعوا لخدمة أنديتهم وبلدهم الصمود والصبر تجاه هذه المعضلة الكبيرة وبالتالي فضلوا الانسحاب وعدم المواصلة...لان لكل إنسان طاقة ..فلا يعقل ان يتطوع ادارياً من وقته وجهده ..وتراه يصرف وينفق مادياً من رزق عياله على أنشطة النادي وخدمة الشباب!!

وبالتالي أصبحت هناك عدة خيارات صعبة لتسيير أنشطة أي نادي من الناحية المادية...بل كثير من إدارات الأندية ربما لا تجد لديها أي خيار آخر سوى إغلاق باب النادي وإلغاء أنشطته الواحدة تلو الأخرى..والقريبين من الأندية يعلمون ان عدد العاب وأنشطة كل نادي تقلصت بشكل كبير جداً بالسنوات الأخيرة بنسبة لا تقل عن 50% مقارنة بالسنوات التي كانت فيها تصرف الميزانيات!!

فإذن ما هي الخيارات الصعبة يا ترى للأندية لتمويل أنشطتها؟ واترك التعليق عليها في الجزء الرابع ؟

 

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
عبدالله الزاهر
[ kalamazoo - michigan ]: 13 / 10 / 2009م - 7:28 ص
ويش الفايده ادا انوجد الاداري وراحو اللعيبه المفروض الاداره تكسب اللعيبه قبل كل شي واتمنى انك فهمت قصدي ياابو امجد
2
عوامي سلماوي
[ العوامية ]: 13 / 10 / 2009م - 7:35 ص
مقال رائع سيد أبو أمجد
وهنا أريد أن أضيف أن حالة الفوضى في مفهوم الديمقراطية والرأي والرأي الآخر والنقد لها أيضا ًدور في عزوف الطاقات البشرية عن العمل التطوعي، فبهذه العناوين الفضفاضة أصبحنا نرى كل يوم سهام لاذعة وحجارة تأتي من كل صوب على هذا وذاك ممن يمارسون العمل التطوعي ويصل الأمر أيضاً للطعن في النزاهة بالظن وبالشبهة فقط!!! من الطبيعي أن تكون ردة فعل الشخص المراقب لكل هذا أن يبتعد وينئى بنفسه عن الدخول في العمل التطوعي و وضع نفسه على مشرحة المجتمع إذ أنه حتى لوتحمل هو قد لايتحمل أهله (زوجته و أولاده) مايقال عنه...لذلك نرى حالة عزوف عن العمل التطوعي والبركة في الأصوات النشاز التي تدعي النقد البناء وتدعي التحضر بعناوين الديمقراطية وإختلاف الرأي في حين إن إسلوبها أسلوب تخلف وليس إختلاف!!