خيارات التمويل للأندية - الأندية بين الإنتصار و الإنكسار (ج 4)

في هذا الجزء نطرح الإجابة على الخيارات الصعبة التي من الممكن للأندية أن تعتمدها لتمويل أنشطتها وهي:

1) إعادة صرف الميزانيات من الرئاسة: وهذا أمر أصبح في طي النسيان لدى الدولة وغير معلوم لماذا تم وقف الميزانيات ومتى ستعود ؟؟ ومن المستغرب جداً نظرة وزارة المالية والدولة لقطاع الأندية على انه ترفيهي وليس بذات ضرورة أو أهمية قصوى وان الأندية المنتشرة في وطننا لا تستحق الصرف عليها. وهل يعقل ان إجمالي إعانة الأندية البالغة 153 نادي في المملكة تبلغ سنوياً حوالي (25) مليون ريال بمعدل (160)  الف ريال لكل نادي ، وكل إدارة تحتار وتضرب كفاً بكف في كيفية صرف هذة الإعانة المقطوعة  ، وهي لا تكفي تماما لصيانة مباني وملاعب فما بالك بتعيين مدربين أكفاء وشراء مستلزمات ومتطلبات الالعاب خاصة اذا كان لدى النادي عدة العاب في الدرجة الممتازة مثل نادينا اذ يتواجد ( كرة الطائرة – الدراجات – التنس الارضي – تنس الطاولة) ناهيك عن اقامة فعاليات ثقافية واجتماعية وتكريم المتميزين.

وبلغة الأرقام فإن تكلفة إنشاء طريق واحد طوله (1 كلم فقط) يعادل تقريباً (1.5 مليون ريال) وهو ما يعادل 10 أضعاف تلك المعونة للنادي الواحد في حين طريق لا يزيد طوله عن 20 كلم تكلفته تزيد عن إعانة كل الأندية مجتمعة !!!...و لا ادري هل تنفع المزيد من علامات التعجب هذة مع ذوي الألباب والإدراك !!! فهل يعقل ان يكون مثل ذلك الطريق أفضل أهمية من شبابنا وصغارنا الذين يزيدون عن 5 مليون شاب في المملكة. والجميع يدرك خطورة الفراغ لدى الشباب ومشاكله المتعددة التي من المؤكد إنها تكلف الدولة أضعاف مضاعفة لعلاج تلك المشاكل مثل الأمراض الصحية للشاب كالسمنة والترهل و زيادة جرائم السرقة و العنف و الانحراف الأخلاقي ، إضافة إلى الهروب من المدارس ، ويصبح أغلب هؤلاء الشباب -عندما يكبرون- أفرادا غير منتجين وعبئاً على مؤسسات المجتمع والدولة.

ومن الأمور الحسنة والممتازة جداً التي قامت بها الدولة خلال الأربع سنوات الماضية هو فتح باب الابتعاث بشكل كبير لخريجي المدارس والجامعات للدراسة بالخارج لعدم كفاية جامعاتنا ولاحتواء الشباب من المفاسد والفكر المتطرف الذي انتشر بين أوساط الشباب خلال حقبة التسعينات وبداية الألفية بسبب الفراغ وعدم وجود البيئات المناسبة لاستثمار أوقاتهم وطاقتهم. ولكن في الجانب الآخر تناست الدولة ان هناك 18 سنة من عمر الشاب قبل أن يتخرج من المدرسة يوجد لديه طاقة وفراغ لا يعلم أين سيقضيها لان ليس كل الآباء لديهم الوقت الكافي لمتابعة أبناءهم و وضع برامج مفيدة لاستغلال أوقاتهم فيما يفيد!!

والنتيجة ان على الدولة المسئولية الأولى والكبرى لاحتواء الشباب وان الإدارات القائمة على الاندية ما هي الا عامل مساعد وضروري للإشراف والرقابة على أمور وأنشطة النادي ، وبالتالي ينبغي على الدولة دعم الأندية وإعادة صرف الميزانيات لها أو على الأقل إقامة ملاعب وصالات صالحة لممارسة الهوايات وليس بالضرورة اقامة المدن الرياضية الكبرى لكل نادي...

وفي اعتقادي يكفي اعتماد مبلغ 5 مليون ريال لإنشاء ملعب مزروع لكرة القدم مع صالة مغلقة للالعاب المختلفة والسباحة ملاعب اخرى مفتوحة بشكل اقتصادي لكل نادي. ومرة أخرى بلغة الأرقام انه في حال وجود ميزانية سنوية من الدولة لإنشاء مقرات مصغرة بمبلغ (100) مليون ريال فقط فذلك يعني إمكانية إنشاء ملاعب ومقرات لـ 20 نادي في كل عام في المملكة..مما يعني تغطية كل الأندية المتبقية التي لا يوجد لها مقرات رسمية خلال 5 سنوات. أما الصيانة فإن تكلفتها عادة لا تزيد عن 20% من الإنشاء وهذا يعني مجملاً ان مبلغا آخر يعادل (100) مليون ريال كافي لصيانة (100) نادي سنوياً.

وإحصائيا ان مبلغ الـ (200 مليون ريال سنوياً) للأندية الصغيرة هو أقل من 0.5% من دخل الدولة الذي يتراوح بين حوالي (500  - 1000 مليار ريال ) وهو كافي لتغطية متطلبات عدد 100 نادي من أصل 153 نادي بما يعادل 65%...فهل هناك عذر للدولة لاتخاذ مثل هذه الإستراتيجية وإعادة النظر في قطاع الشباب مع التأكيد انه لا توجد فوائد كبيرة من المدن الرياضية الضخمة اذا لم تكن متاحة للجميع وتبقى فقط مخصصة للمنافسات والبطولات الرسمية وليس للممارسة اليومية لان اغلب الشباب والصغار لا يملكون السيارة و الوقت للذهاب لتلك المدن الرياضية. وهل تنتظر الدولة انحراف الشاب للصرف على سجنه أو مرضه للصرف على علاجه أو عدم اكمال تعليمه وعدم قدرته على توفير قوته للصرف على احتياجاته من مأكل ومشرب وملبس...الخ .

وسبق للغرب ان أنتج فكرة 20/80...والتي تنطبق على المثال أعلاه وهو يعني ان تخصيص 20% من ميزانية الرئاسة كافي لتغطية احتياجات 100 نادي مع العلم إننا لا نعلم كم هي ميزانية الرئاسة العامة لرعاية الشباب السنوية لانها لا تعلن بشكل منفرد بل يبدو انها تدرج ضمن قطاع الشئون الاجتماعية !!

2) ضم الأندية لوزارة الشؤون الاجتماعية: حسب المعلومات المنشورة نجد إن الجمعيات الخيرية ميزانياتها تفوق بشكل كبير جداً ميزانيات الأندية...والفارق يصل إلى أكثر من 20 ضعف فمثلا إذا كانت إعانة النادي الواحد يصل 200 ألف ريال فإن ميزانية الجمعية تصل إلى حوالي (4) مليون ريال..مع العلم إن جمعية البر الرئيسية في المناطق الرئيسية لا تقل ميزانيتها عن (50) مليون ريال ، وأنا هنا لا ادعوا للتقليل من دعم الجمعيات في بلادنا وأهمية العطاء لها ..ولكن الفت الانتباه إلى قوة وفاعلية وزارة الشئون الاجتماعية لدعم الجمعيات والمؤسسات التي تنطوي تحتها ، وبالتالي فمن الضروري ضم  الأندية إليها كون النادي مؤسسة اجتماعية تعنى بشؤون الشباب ، وعدم انتظار تسرب الشباب من التعليم أو عدم قدرتهم على توفير متطلباتهم المعيشية ومن ثم نطالب الجمعيات بسد عجزهم المادي...في حين انه بالإمكان تقليل حالات العجز لو تم الاهتمام باستثمار أوقات هؤلاء الشباب منذ صغرهم وتوجيهم للطريق السليم عبر المنزل والمدرسة والنادي إضافة إلى المساجد كادوار مكملة لبعضها البعض.

3) الحقوق الشرعية / الزكاة: حسب المعلومات المنشورة في الصحف المحلية (في بداية شهر ربيع الأول 1430هـ) بلغت إيرادات الزكاة للدولة حوالي (15) مليار ريال للعام 2008م/1429هـ مقارنة بـ (6) مليار ريال عام 2007م / 1429هـ  وهي عادة توجه للمستحقين إليها وغالباً هم الفقراء والأيتام والمساكين والعاملين عليها ...وهذا أمر مسلما به ولا يوجد أي اعتراض عليه..ولكن في ظل شح الموارد المالية للأندية وهي تخدم الشباب من كافة الشرائح الفقير والغني، السليم وذوي الاحتياجات الخاصة، الطفل الصغير و الكبير ، أليست تستحق أن تخصص لها جزء من موارد الزكاة ..وإذا افترضنا تخصيص 2% فقط من دخل الزكاة وتوزيعها على الأندية فلن تكون هناك أي مشاكل مالية أو ضعف في إقامة الأنشطة وتفعيل الألعاب لان لكل نادي سيكون نصيبه ما يلي:
أ‌) حسب دخل الزكاة عام 2008م = 15 مليارريال * 2% = 300 مليون ريال وحال تقسيمها على جميع الأندية بالتساوي 153 نادي فإن نصيب كل نادي سيكون حوالي (2) مليون ريال فقط لاغير.
ب‌) اما اذا افترضنا ان دخل الزكاة عام 2007م = 6 مليار ريال *2% = 120 مليون ريال فذلك يعني إن نصيب كل نادي حوالي (784) ألف ريال سنوياً.

وندرك من الأرقام أعلاه واستقطاع 2%  فقط وترك الـ 98% لمستحقي الزكاة فلن تكون هناك أي عوائق للأندية الصغيرة في وطننا. بمعنى آخر لا يوجد بالأمر صعوبة متى ما أراد أصحاب القرار تنشيط حركة الأندية وتفعيلها. وذلك الأمر ينطبق ايضاً على الحقوق الشرعية (الخمس) لدينا وتكاد تكون الأندية شبه مغيبة من الصرف عليها من هذا الجانب بالرغم من إن كثير من المراجع يجوزون للوكلاء دعم الأنشطة الاجتماعية والشبابية لوقاية وحفظ الشباب...وحتى لو قلنا هناك أولويات في الصرف وان النادي ربما يأتي في المرتبة العاشرة أو أقل من ذلك ...فإنه حسب علمي إن الرقم (صفر) هو المعطى للأندية من موارد الحقوق الشرعية من قبل علماء الدين وإلقاء المسئولية على الدولة فقط..وبالتالي أصبحت الأندية شبه معاقة لا تعلم من سيخدمها أو سيعالجها من هذا الظرف فالكل يلقي المسئولية على الأخر ويبحث لنفسه التبريرات والطاسة ضايعة!! وحتى على المنابر فإنه من النادر جداً قيام العلماء بالتحدث عن دور ورسالة الأندية ودعمها وضرورة أن تكون على أكمل وجه وسد احتياجاتها لحفظ الشباب..بل ربما يتم التحدث عشرات المرات عن دعم عشرات الجهات والبرامج في البلدة الواحدة ولا يتم صرف ريال واحد على النادي الوحيد التابع للبلد.
 ومن هنا أحب أن أكرر طرح فكرة سبق إن تحدثت بها لبعض الأصدقاء بضرورة تكوين (مجلس أهلي لكل بلدة) يضم عضويته ممثلين لمؤسسات البلد مثل الجمعيات والنادي والمساجد والديوانيات وبعض الوجهاء الفاعلين لمناقشة احتياجات كل بلدة ووضع الأولويات في دعم وإقامة المشاريع الاجتماعية للبلدة وكذلك مخاطبة الأهالي و الجهات المعنية لإقامة تلك المشاريع عبر خطط سنوية وإستراتيجية موحدة، بدلاً من إن كل جهة أو مجموعة تسعى لوحدها وراء إقامة مشروعها الخاص وتطلب من الناس التفاعل معها وقد يكون مشروعها مشابه ومماثل لمشروع آخر موجود في البلد أو ليس بذات أولوية في الوقت الحاضر. وتبقى هذه الفكرة حبيسة الأدراج ما لم تبادر مجموعة للسعي وراءها وتفعيلها على أرض الواقع.


4) الاستثمار: فاقد الشئ لا يعطيه...فاذا كان الإنسان ليس لديه ما يسد رمقه فكيف وماذا يستثمر ؟؟ والاستثمار عادة يتم عند توفر مبلغ او شئ زائد عن الحاجة ، ومن هنا كيف للأندية ان تستثمر وهي لا تملك المال لتغطية مصروفاتها الأساسية وليس بمقدرتها سداد ديونها المتراكمة منذ سنوات.!!!..فهل نطلب منها المستحيل أم هناك اقتراحات أخرى في ذهنكم؟

والبعض ربما يقترح إقامة دورات وبرامج تدر على النادي بعض المبالغ المالية مثل دورات القدم والطائرة والأنشطة الصيفية وغيرها..وهذه من الممكن عملها حال توفر كوادر ولجان تشرف عليها إذ انه ليس من الممكن الاعتماد على أعضاء مجلس الإدارة في مثل هذه الدورات والأنشطة لأنها تستنفذ وقتا وجهداً ليس باليسير في ظل تعدد الأدوار والمهام الخاصة بمجلس الإدارة للإشراف على خطط و العاب النادي المختلفة. وأحب التنويه إن الدورات الخيرية لكرة القدم يتفاعل معها كثير من الأفراد ورجال الأعمال وتدر مبلغا لا يقل عن (500) ألف ريال خاصة التي تقام في تاروت والقطيف بالصيف ولكنها تذهب لصندوق كافل اليتيم وليس الأندية حتى لو أقيمت تلك الدورات على ملاعب النادي التي تؤكد إداراتها إن دورها  يخدم كافة الشرائح...إذن فلنساعد الأندية لتقيم ملاعب ومنشآت لتطوير تلك الدورات وخدمة المجتمع بشكل مستمر!

ومن الممكن كذلك اقتراح قيام رجال الإعمال بإنشاء بعض الاستثمارات الخاصة لهم مع على ارض النادي يستطيعون من خلالها تحقيق دخل جيد لهم و للنادي مثل المحلات التجارية أو الشقق السكنية أو النادي الصحي... وغيرها، ولكن أين هم هؤلاء.؟  وان وجدوا فهم قلة !!

وفي نفس الوقت نجد الشركات الكبيرة تدعم الأندية الكبيرة فقط خاصة في لعبة القدم بدوري الممتاز وهو تكريس لحالات الفقر وتهميش للأندية الأخرى وبالطبع لا احد يلومها لأنها تتحدث بمنطق التاجر من أجل الربح وليس بنظرة المستثمر من أجل أن يستفيد الشباب، وبالطبع لا تستطيع الأندية الأخرى منافسة الأندية الكبرى بل حتى عند بروز لاعب في نادي مغمور فإنها تسعى لاستقطابه إليها بشتى الوسائل وقد يكون بصفقة متواضعة لناديه الصغير.

والجدير بالذكر إن الرئاسة العامة فتحت مجال الاستثمار بالأندية خلال الثلاث سنوات الماضية لتتمكن الأندية من دعم أنشطتها وألعابها ذاتياً ..إلا انه في العام 2008 توقف لأجل غير مسمى بسبب مطالبة وزارة المالية بان يكون إيرادات الاستثمار هو لصالح خزينة الدولة وليس للأندية لان مقرات الأندية هي ملك للدولة مما سبب اعتراضات من قبل الرئاسة على مثل هذا المطلب ولغاية تاريخه غير معلوم ماذا سيتم ؟ 
 
5) دعم الأهالي: وهذا المقصود إن على أهالي كل بلدة دعم ومساندة ناديهم وعدم تهميش دوره الاجتماعي فهو إحدى المؤسسات الاجتماعية التي ينبغي دعمها مثل الجمعيات الخيرية..والحقيقة إن أهالي كل بلدة باستطاعتهم خلق فارق شاسع وسمعة كبيرة بين ناديهم والأندية الأخرى في حال توفر دعمهم ولو بالقليل (مثلا 100 ريال شهرياً أو أقل أو أكثر حسب استطاعة كل فرد). وفي حال توفر 1000 موظف في كل بلدة يدفع 100 ريال شهرياً فهذا يعني توفر (100 ألف ريال شهريا أي ما يعادل مليون ومائتين ألف ريال سنوياً) وهو ليس بالقليل لكل نادي ويساعد إدارة كل نادي إن تخطط وتسعى لإقامة فعاليات عديدة وتحقيق نتائج مميزة . وبالتالي ينبغي إن لا نكتفي بالتنظير في المجالس وإلقاء اللوم على إدارة النادي أو إلقاء المسئولية فقط على الدولة إذا لم تهتم بالشباب لدينا ..فعلينا السعي الجاد والعملي للتغلب على جميع العقبات بالتعاون والتكاتف والوحدة من اجل أبناؤنا وشبابنا...ولكم الاختيار وتحديد الاتجاه... مع العلم إننا في إدارة نادي السلام حاليا قد فتحنا باب التبرع والدعم لأنشطة ومشروع النادي الكبير والذي هو بالتأكيد جزء من أحلامنا وأحلامكم.
 

أخوكم / السيد عدنان شبر
أمين عام النادي والمشرف على لعبة كرة القدم