المَاءُ .. الفِرْدَوسُ المَهْدُور .. مقال الكاتبة الأستاذة ليالي الفرج في صفحة الرأي بجريدة الشرق

جريدة الشرق

يتلبّسنا مشهدٌ من الظرافة كلما انقدح في ذاكرتنا الاجتماعية أو توارد في أحاديثنا ومسامراتنا الأدبية، صدى البيت الشعري الذي نظمه أحدهم قديماً، بقوله: (كأنّنا والماءُ من حولِنا / قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ)، واتّفاقا ينظر إلى هذا النظم بالضعف والسطحية والسذاجة لتكرر المعنى بين صَدْر البيتِ وعجُزه، بالرغم مما جاء في البيت من صناعة بديعية، بما يُسمّى في الصناعة البلاغية بردّ العَجُز على الصّدر، بل كثيراً ما يكون أنموذجاً ومثالاً يؤتى بذكره كلما جاء قول فيه من السطحية والتشابه في التركيب أو التكلّف، حتى صار مثاراً للسخرية بين أهل هذا الفنّ ومرتاديه أو متذوّقيه، وفي هذا السياق النقدي الساخر نتذكر نظم ابن الوردي لبعض أبيات شعرية، جاء فيها هذا الشطر الشهير لأحد أبياته: (وفَسّرَ المَاءَ بعدَ الجَهْدِ بالمَاءِ). ولكنّ للزمن اليوم رأياً آخر، ولا مناص من موقف يستدرك على الرؤية النقدية السابقة ذات المنظور السلبي للبيت الشعري الوارد آنفاً، والذي يناله كل من الطعن والضرب مالا تطيقه الجبال الرواسي، بما يصنع تمرداً على الصورة النمطية لمحتوى الخطاب ودلالته الأولى، الذي بطبيعة الحال ليس محل اهتمام هذه السطور تحديداً، وإنما تحتاج لمقام آخر يناسب ذلك عبر قراءة خاصة.

وتفسيري أن مفردة الماء الأولى ليست هي الثانية، كما كان يُظن، إذ أنّ اليوم طرأت الظروف التي غيرت حتى الماء، وهذه الظروف هي ظروف بيئية واجتماعية أنتجتها طبيعة الحياة الاقتصادية وتحولاتها في منطقتنا وغيرها، وبهذا فإن كيميائية الماء الذي شِيبَت جزئياته بالملوثات النفطية التي تتخلص منها ناقلات النفط التي ليس سوى مدن متحركة، لتنقل أحد أهم مفردات الطاقة لبلدان العالم عبر مسطحاته المائية الصغيرة مثل خليجنا العربي، والكبيرة بمحيطاته وبحوره متلاطمة الأمواج. ما عاد الماء كما كان في أيام الأجداد والآباء، حينما كانت أعماق المياه الدافئة في الخليج مسرحاً للسفن الشراعية والمراكب الخشبية الكبيرة مثل: «البُوم» و«السنبوك» و«البتيل»، وغيرها من أسماء كان لها الدور الأكبر في مخر الأمواج العاتية، ولكنها الصافية، والتي لم تكن لوثتها بعد فضلات المصانع، ولا ناقلات النفط، ولا المواد الكيميائية التي تدخل في عمليات المعالجة أو إعادة التكرير، ولا تلك المواد المجهولة التي يلقى بها أو تصبها أنابيب التصريف الزراعي، حيث تذكرنا حادثة ساحل مدينة سيهات حينما صبت في البحر ثلاثة أنابيب ذات قطر كبير مواد أقرب للون الوردي قبل نحو أسبوع بالانتهاكات التي تتعرض له مياهنا من تجاوزات وتلويث بيئي واسع، في ظل شح للمياه الجوفية التي تواجه هي الأخرى عمليات جائرة، تتمثل في أشنع صورها بالحفر غير المشروع لآبار المياه، وهدر ما تبقى منها في الطبقات الجوفية للأرض، خاصة بعد نضوب مياه العيون الكبيرة التي كانت أروع المعالم السياحية في واحتي الأحساء والقطيف، بسبب عوامل كثيرة، ولكنها إجمالاً كانت نتيجة عدم اهتمام بهذه الثروات المائية التي حافظ عليها الأجداد والآباء، ولم يكن لنا دور حتى الآن في ترشيد استخدامها، والتوعية بضرورة حمايتها، لئلا يأتي يوم لا تجد فيه الأجيال القادمة الماء، خاصة مع ظواهر التصحر والجفاف وندرة الأمطار وارتفاع درجة حرارة الأرض بشكل عام.

إن الماء هو الحياة، ولا رغد لعيش دون ماء، وهذا يستدعي سنّ قوانين ولوائح ضمن خطط إستراتيجية لا تتهاون في التطبيق على الجميع، فإن القلق صار أكثر حدّة بنضوب طبقات أخرى من الماء، بسبب هدره، أو دفن المسطحات المائية التي جاءت الأوامر وأقرّت اللوائح بالمحافظة عليها، وعدم العبث بكل ما يعرّض البيئة البحرية التي تضخ محطات التحلية مياهها بعد معالجتها وتحليتها لكثير من مدن بلادنا. وأخذ تنظيم استخدام الثروة المائية في واقع الدول المتقدمة اهتماماً كبيراً، وتشكلت في تلك البلدان ثقافة عامة عبر تقنين يمنع أي استخدام غير نظامي للمياه، بل إن هناك صرامة في تطبيق مواصفات لجميع الأدوات والمواد التي قد تدخل في استخدام الماء سواء يرتبط بالمشاريع والشركات الكبيرة أو للأفراد، ولذلك فإن مواصفات عالية الجودة يلزم بها نظام رصين للمحافظة على المياه وحمايتها، كما يجب أن تكون شبكات المياه منفذة بمعايير جودة ونوعية عالية، حيث مازلنا نفاجأ بوجود خطوط شبكة مياه رئيسة من مادة الحديد وربما الإسبستوس الذي يعتبر سبباً في أمراض خطيرة جداً.

إن العالم وهو يحتفل بمناسبة اليوم العالمي للمياه في يوم 22 مارس من كل عام، فإن ذلك لا يعني احتفاليات مجردة من الفعل والوعي، مما يتطلب إطلاق الحملات التي تتجاوز الشعار والقول إلى الفعل، ونحرك جميع أنواع المحفزات، مع تأهيل قيادات وفرق عمل ذات كفاءة وفاعلية بحيث يكون لديها القدرة على إحداث نقلة نوعية في مفهوم ترشيد المياه الذي مازال بالخطط الحالية للتوعية والإرشاد لا يحقق الغايات والأهداف المرسومة لأن الجهات المسؤولة عن ذلك تكاد تكون منحصرة في مديريات المياه التابعة لوزارة المياه ولكن يبدو أن الخرق بات أوسع من الرقعة، مما يتطلب جهوداً للجهات ذات العلاقة والجامعات ومراكز الدراسات والبحوث، فالأمر أننا بين ماءين سابق عذب، ولاحق ملوّث، وربما احتجنا لفلسفة: قل لي ما تشرب أقل لك من أنت!