التوصية الشورويّة بالرياضة المدرسية

جريدة الشرق

أغلبنا إن لم يكن جميعنا يعرف ويؤمن بأهمية الرياضة البدنية للجسم البشري، وذلك لما فيها من فوائد صحية ونفسية بالدرجة الأولى، إذ يعد ذلك من القطعيّات بشكل عام عند المختصين وغيرهم، وفي نفس الوقت يُنظر للرياضة ضمن البرامج التي تعزِّز من قيم الروح الرياضية، وتؤكد عناوين العمل بروح الفريق، وترسِّخ معالم التنافس الشريف، مما يجعل الرياضة فعلاً اجتماعياً يعضد التواصل الفعال، وينشر معنى التسامح، ويذكِّي صور الألفة والعلاقة الإيجابية، كما يساعد كثيراً في بناء الشخصية الإيجابية، ويحيل البيئة الاجتماعية إلى حقل خصب، ترفده جداول الفضيلة الإنسانية، وتنصع في أفياء سعفاته مفردات المودّة وتجليات التواشج الكريم.

وطال بنا الأمد ونحن نترقب انبلاجة خيط أمل يحرّك ما تتطلبه الضرورة، وتلحّ به طبيعة الحياة المعاصرة، من حيث شيوع ظواهر الكسل والخمول البدني، وتفاقم معدلات الأمراض المزمنة التي تفتك بالجسم، نتيجة عدم ممارسة أي نشاط بدني يوفر للبنات في مدارسهن، وللمرأة في بيتها، أو وظيفتها، مكاناً يساعد على مقاومة كل مسببات أو آثار الغياب عن ممارسة أي نشاط بدني، مما لا يتعارض مع الأمور الشرعية، ويتناسب مع الظروف الاجتماعية، ويتماشى مع العادات والتقاليد ذات المعنى المعتبر، بما يكفل للبنت أو للمرأة حشمتها وفي نفس الوقت يحقق لها أهداف الصحة البدنية والنفسية بكل أبعادها، ويستثمر أوقات الفراغ بتحويلها إلى فعل إيجابي، وفي الرياضة ما يحقق الإمتاع والفائدة، بعيداً عن الترف الهادم.

وأظن أنه في اللحظة التي ظهرت فيها توصية مجلس الشورى في جلسته الـ28، يوم الثلاثاء، الموافق 8 إبريل 2014، حينما طالبت تلك التوصية «وزارة التربية والتعليم بدراسة إضافة برامج للياقة البدنية والصحية للبنات بما يتفق مع الضوابط الشرعية وطبيعتهن والتنسيق مع وزارة التعليم العالي لوضع برامج التأهيل المناسب للمعلمات»، فإن إشراقة شمس جديدة ألبست القلوب البهجة، وأدخلت السرور على الجميع، مع أن هناك من يتوجس من البرامج الرياضية التي حاولت التوصية أن تبتعد كما يبدو في بيانها عن اشتقاقات مباشرة لكل ما يتصل بمفردة «الرياضة»، وإنما اكتفى الوصف بمسمى «برامج اللياقة البدنية والصحية»، لتأكيد الأهداف التي تتبناها التوصية، التي هي أوضح من شمس القيظ في رابعة النهار، كما أن هذا الوصف يجلّي الصورة أكثر، ويبتعد عن كل ما يستفز المعترضين على ذلك، حيث تم التأكيد على أن البرامج الموصى بها تطبق داخل المدارس، ولا تعنى بأي منافسات أو نحوها كالتي تقام في المنافسات الدولية.

والمهم أن نقول بعبارة صريحة: إن الإحصاءات الرسمية تؤكد ازدياد معدلات مرضى السكري في المملكة بشكل مخيف، كما تبين كثير من تلك الأرقام حجم ارتفاع معدلات البدانة وتنامي السمنة بين النساء خاصة وازدياد مريضات هشاشة العظام بصورة فظيعة جداً، والحال ينطبق على أمراض خطيرة جداً بالإضافة إلى مرض ارتفاع ضغط الدم ومشكلات القلب والرئتين وكثير من مما تفرزه طبيعة الحياة الحديثة وتؤدي إلى سيادة الأنظمة الغذائية المسببة لكثير من هذه المشكلات الصحية وعوارضها المختلفة، ولا ينكر أحد ارتباط الصحة والغذاء كثنائيتين تتعرضان إلى مخاطر لا يمكن إلا وصفها بأنها قاتلة، وهذا مما ينذر بعواقب وخيمة في ظل بيئة صحية لا تعنى بالنشاط الحركي للجسم ولا توفر المراكز التي تقدم برامج اللياقة البدنية.

ويُعد مفهوم اللياقة البدنية متداولاً اجتماعياً رغم تباين مستويات التعرف عليه، وتعرف اللياقة البدنية المرتبطة بالصحة على أنها: «تلك العناصر التي ترتبط أو تؤثر في الصحة، وتتضمن اللياقة القلبية التنفسية، والتركيب الجسمي، واللياقة العضلية الهيكلية».
إن الجسم يحتاج إلى مستوى متناسب من القوة العضلية، وإلى مرونة في حركة المفاصل، كما أن الرشاقة تحتاج إلى إعداد بدني خاص متناسب مع طبيعة الجسم، وبهذا فإن نشر ثقافة امتلاك الجسم السليم يتطلب توفر بيئة حاضنة، وبرنامجا فعالا، وتحليا بالإيجابية في المشاركة.

والمشهد هنا يحتاج إلى أكثر من الرياضة المدرسية، فما يجب أن يوصى أيضاً هو توفير مراكز رسمية لبرامج اللياقة البدنية والصحية للمرأة عموماً، إذ هي الأم والأخت والزوجة والبنت، والآثار السلبية التي تواجه المرأة عموماً من جهة صحية نتيجة عدم توفر مثل هذه البرامج واضحة، ويقر بها المختصون، ويلاحظها المجتمع، ويتفق الغالب على خطورتها، مما يستلزم وجود استراتيجية ذات رؤية تطلق الفعل ولا تعيش على جوانب ردة فعل كثيراً ما كان في تأخرها ورعونة تطبيقها نتيجة ليست أقل سوءاً من السبب الذي قصدت علاجه.

لماذا لا يكون حلم نصف المجتمع أن تتوفر لهن مدن رياضية نسوية في كل منطقة رئيسة، ومركز لياقة بدنية في كل مدينة، وتتعاون جهات رسمية مثل الرئاسة العامة لرعاية الشباب التي نأمل أن تتحول إلى وزارة الرياضة والشباب يوماً ما، بالإضافة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، كما أنه لابد من حضور كبرى شركات القطاع الخاص في مثل هذا الفعل الذي يعنى بالشراكة المجتمعية وبرامج المسؤولية الاجتماعية، فإن درهم وقاية خير من قنطار علاج، وبرامج الصحة الوقائية عرفت قديماً، وتطورت حديثاً، ونحن مازلنا نغفل عن أهم برامج الوقاية الصحية، وهي تلك التي تعنى بوجود مؤسسات ذات علاقة بالإعداد البدني اللياقي الخاص بالمرأة، وفي بلد كبلادنا، بحمد الله فإن جميع الظروف مهيئة لإطلاق مثل هذه البرامج، التي لها أثر كبير في الطلاقة الذهنية، والصحة النفسية، والجسم السليم.

المقال من جريدة الشرق
http://goo.gl/JtaU5F