البرمجة العبثية والهندسة الإيهامية

جريدة الشرق

على طريقة تفوق أسلوب من يبيعك السمك في الماء، فإن هناك من بات يبيعنا الوهم في قوارير كريستالية ذات أوجه متعددة، ما إن تنعكس عليها الأشعة المرئية حتى تتحلل إلى أطياف ساحرة، وألوان تتداخل موجاتها، وتتوالد تداخلاتها.

وهناك من يمارس التغرير في تسويق سلعته، ويتربص الفرص من أجل اصطياد أكبر عدد من المتسوقين في بازار يرّوج الإيهام، و«ماركت» يقوم بتسويق السراب بيننا.
تلك حكاية من يستغل اسم ما يعرف بالبرمجة اللغوية العصبية، في فوضى بدأت بيننا منذ بداية الألفية الثالثة تقريبا، مع تنامي الدورات التي كان يقدمها بعضنا تحت عناوين برّاقة وذات صيغة جاذبة، حتى انثال كثير من الناس تارةً بدافع التأثر بما كانت الحملات الإعلانية تروّج له، وأحياناً بدافع الفضول العلمي، ولكن كانت شهادة الدبلوم فيه نحو أسبوع أو أقل، وبلا ريب فإن لعبة المسمّيات والصور في التسويق لها دور كبير في الوصول للمتلقي لأي منتج ماديّ أو فكري. فالمشتغلون على إعداد الإعلان، يحرصون على الوصول إلى الخلطة السحرية التي تجهز في مطابخ الإعلام بأساليب بارعة التأثير.

إن المستويات التي يتدرج فيها المتدرب كانت تتصاعد في تكاليفها، وبالمثل في مسمى الشهادة التي ينالها المتدربون في دورات هذا العلم القادم إلينا بعد نحو ثلاثين سنة من أول ولادة له على يد الثنائي الأمريكي باندلر- جاردنر، اللذين اختلفا وتقاضيا فيما بعد، ولكن العلم الجديد تم التسويق له في أمريكا ثم الدول الغربية، حتى جاءنا بعد أن تعلمه بعض العرب، ونقلوا اللعبة إلى ملاعبنا التدريبية في قاعات الفنادق الـ5 نجوم، وفي مراكز ومعاهد التدريب.

وبعد أن تعرف عليه بعض المختصين والأكاديميين المشتغلين في مجالات علم النفس، تعرفوا أيضاً هذا العلم، كما يحلو هذا الوصف لعشاقه، وعلى حجم الاختلاف حوله في بلاد نشأته حتى الآن، وصار بيننا -كما هو- ميدان للجدل حول حقيقة هذا العلم، في وقت ترفض الجامعات الاعتراف به كعلم، ويجدون أنه يحمل صفة التقاطعية من علم النفس التربوي أو السلوكي ومن علوم أخرى كونتها خلطة الثنائي الأمريكي.
ورغم بقاء النزاع حوله، واتهامه من أولئك الرافضين له بأنه يستبطن بعض السلوكيات التي تتنافى مع الدين، لأنه يظن أن هناك بعض البوذيات وغيرها كانت المنهل الأول لأهم أدواته وتقنياته، إلا أن هناك من حاول التعرف عليه، وبعضهم قام بما عرف بتهذيب البرمجة اللغوية العصبية، حيث حاول أن يربط بين بعض المضامين من الكتاب والسنة وبين بعض مبادئ علم nlp، بينما كان الرافضون له حازمين ضده تماماً.

وبين حدّة النقاشات التي تدور، فإن هناك من يتفيأ ظلال أشجار هذا العلم، وبعد حضور دورة أو اثنتين، يصبح مدرباً، وما أنفقه بالأمس، يكسب أضعافه اليوم.
واحد من المتعصبين للهندسة النفسية، كما كانت تروج لها إعلاناته سابقاً، ارتد على عقبه، وصار بعد إخلاص ما يزيد عن عقد من السنوات مناوئا ورافضا لهذا العلم، الذي صار حتى من ليس لهم في اليسير في المعرفة والتعليم يتعاطونه، بل وصاروا يعالجون بأدواته، وما هم سوى متكسبين على قارعة الاستغلال والسطحية.

المشكلة استفحال منتجات هذا العلم، حيث جاءت ما سميت بعلوم الطاقة، مثل الريكي، والتشي كونغ وغيرهما، وانتشر هذا الواقع على شاشات الفضائيات وفي الصحف وفي مراكز التدريب، ويذكر أن إحدى المعالجات قبل فترة ادّعت أنها قادرة على أن تعالج مشكلة عضوية في قدم سيدة تشكو من الميلان منذ ولادتها، وقامت الماستر المعالجة وعبر التسويق لقدراتها العلاجية بإقناع السيدة أنها تضمن العلاج، والنتيجة أن التكلفة كانت باهظة، ولم تستفد المريضة شيئاً، وفي دورات القراءة التصويرية التي مازالت تقام رغم ما تتعرض له هذه البرامج من هجوم حتى ممن يشتغلون في حقول قريبة منها مثل دورات القراءة السريعة، التي يفرقون بينها وبين تلك التصويرية قصص وطرائف لا مجال لذكرها، ولعل مدربا يحمل أكثر من شهادة دكتوراة أقام منذ سنوات دورة في اللغة الإنجليزية وركز محتواها على تقديم تقنيات قال عنها إنها أدوات نقل صور مفردات اللغة الإنجليزية إلى الذاكرة البشرية، ولكن لم يجد المشتركون إلا سراباً.

ولذلك فإن الدور الأكبر يفترض أن يقع على الجهات المسؤولة بالإشراف على المراكز والمعاهد، التي تقدم أي دورات في علوم تحتاج إلى شهادة اعتماد واعتراف، وعلى رأس هذه الجهات مؤسسة التعليم التقني والمهني، عبر الإدارة العامة للتدريب الأهلي، بأن تضع معايير أكثر جدية تمنع الاستغلال، كما يقع دور مماثل على الأكاديميين والمختصين بطرح آرائهم حول ما يجري من فوضى، سواء من خلال عقد المؤتمرات أوتقديم الأوراق العلمية التي تبين الموقف العلمي الصحيح من هذه العلوم.
وحتى لا نكون لقمة سائغة بين فكي المستغلين، إذ نعيش عصر اقتصادات المعرفة ونرى تنامي مدن المعرفة في العالم، فإن فوضى المواربة والخداع في كل مجال، لا بد أن تخضع لتمحيص ومناقشة، بموضوعية علمية، فالدعاوى ما لم يقيموا عليها بيّناتٍ، يكون أبناؤها أدعياء، لئلا نعيش بين العبث والإيهام.