إسقاطات الكوميديا السوداء على مشهدنا

جريدة الشرق الأستاذ الكاتبة ليالي الفرج

حينما يقول أبو الطيب المتنبّي: «ولكنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا»، ونبقى نعبّر عن هذه المفارقة بقولنا: من المضحك، المبكي، فإن ثمّة معنىً تنتجه هذه العلاقة المتضادة بحضور الضحك والبكاء في ذات اللحظة، وبسبب نفس المنبّه الذي أدّى إلى حدوث استجابة ذات مظهرين، الأول على مستوى لغة الجسد، وتعبيرات الوجه، والآخر على مستوى الباطن المستتر، الذي يتخذ من الصّمت الظاهر واجهةً، ولكنّه يعيش جواً مشاعرياً عاصفاً، ويستبطن ألماً كاسحاً، ولا تساعده صدمة اللحظة إلا على انطلاق هذا التشكّل الخطابي المعتلج بالآهة، والممزوج باختلاجات الحزن والمرارة، رغم الشروق المتكلّف على هيئة ضحكات قد تبرق في مداها الثنايا مع لغتها المباشرة، بينما الحقيقة هي حِمَمٌ بركانية لحالة الكدر وشدة الألم في لغتها المختبئة وراء أقنعة اللغة الأولى. ويبدو أن الجو الساخر هو نتيجة ودلالة طبيعية لكل علاقة تضاد بينهما هذه الدرجة من المفارقة، ولكنّ الحال مع ثنائيتي الضحك/ البكاء، سيكون أكثر ظهوراً، وأعمق دلالة في تأويل ما وراء الظاهر. وإذا قاربنا الأمر أكثر، فإنّ المشهد يتجلى بصورة أكثر وضوحاً، ويصبح محاكياً لما يعرف مسرحياً وفنياً بالكوميديا السوداء، هذه الكوميديا ذات الفعل الصادم قد تنطلق مع تداعي معاني تشكلها بعض الأمثال الشعبية، مثل: «كثرة الهمّ تضحك»، «إذا زاد الشيء عن حده، انقلب إلى ضده»، « شر البليّة ما يضحك»، التي ليست في واقعها سوى تجربة سابقة أسهمت في تراكم معنى تتداعى صورته في الذهن، كلما مرّ بنا موقف يشابهه. وبهذه المفارقة الصارخة بين السلوك والقيم يبرز معنى الكوميديا السوداء، التي تبدو أنها غير منحصرة في حضورها الفني والمسرحي، وإنما قد تطغى في الواقع الخارجي في أكثر من موضوع ومن خلال عديد من المواقف في الحياة.

ولعلّ توتر العلاقة بين المثقفين، ولاسيما ما يرتبط بقضية الانتخابات في الأندية الأدبية، التي شكلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي، وبعد سنوات من اللّت والعجن، جاء قرار وزارة الثقافة والإعلام باعتماد نظام جديد بحيث يجمع بين الانتحاب والتعيين، كما هو معمول في بعض الجهات مثل المجالس البلدية، أو الغرف التجارية، وهنا نتساءل لماذا لم يستطع المثقفون أن ينسجموا مع نظام الانتخابات، حيث استفحلت المشكلات في أكثر من نادٍ، وتفاقمت الأمور لتصل إلى حالة هي أقرب إلى المماحكة واللجاج، مما زاد من حالة التخندق والاصطفاف السلبي، وكأننا نعيش في جُزُر متباعدة، وهذا في المنظور الثقافي يُعَدُّ صورة باهتة في المشهد، وإرباكا غير مبّرر، مما يشي بمزاج ثقافي لا يمارس الوعي في واقعه الفعلي، ولا يتصادق مع روح المثقف الحقيقي، مما أدى في النهاية إلى قرار الوزارة المشار إليه، فمتى يستثمر المثقفون مناخات الفعل الثقافي الذي يتجاوز هذه الصور المشوشة ثقافياً؟!

وفي قضية أخرى لا تخلو صورتها أيضاً من مفارقة كما يبدو، في أمر يتعلق بالواقع الرياضي، حين تشنجت العلاقة في نادي الاتفاق على الساحل الشرقي لبلادنا، وكذلك الأمر جرت أحداث ذات وقع مصادم في نادي الاتحاد على الساحل الغربي، وكم أثقل كاهل كثير من المتابعين للرياضة فضلاً عن الأعضاء والمنسوبين والجمهور في كل ناد، وكأن الهدف غلبة أي طرف من الأطراف الموجودة على الآخر، بينما لا نجاح دون تآلف وشراكة في إطار من القيم والأخلاق التي تعمر الظهور الرياضي إيجابياً، بما يحافظ على المكتسبات ويحقق المكاسب والإنجازات التي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر اجتماع القلوب، خاصة ونحن نتحدث عن مؤسسات تعنى بالحالة الشبابية ورعايتها، وليس ثمّة نجاح إلا باستثمار شبابنا إيجابياً في كل مجال، والمجال الرياضي أحدها.

المشهد الثالث يرتبط بما ساد من علاقة ظهرت متوترة في الإعلام المحلي، حينما جاءت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في خبرين لا يفصل بينهما أكثر من أسبوع، والخبر الأول بما اكتنف المشهد من توتر بين هيئة نزاهة وبين مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض، ولسنا هنا في صدد الحديث عن تفاصيل ما جرى حتى الآن، وإنما الأمر يتعلق بالصورة التي وصلت للمتابع والمتلقي وسط جدال ونقاش كان له أن يكون أكثر حكمة من الطرفين على المستوى الإعلامي.

أما الخبر الثاني فكان بين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وبين أمانة العاصمة المقدسة، التي لم تخلُ أيضاً من نقاش حاد، وظهر في الإعلام بصورة صاحبها التوتر، مما لا ينقل الصورة بوضوح للمتلقي، وبلا شك فإن جهود الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد محل تقدير، وفي نفس الوقت يجب أن يكون هناك مؤشر شفافية تضبط إيقاعه الهيئة المذكورة، ولكن يهمنا أن لا يضيع القارئ بين حالة يتصاعد فيها الشدّ والتوتر أثناء الردود، ولذلك يستلزم الهيئة وجود متحدث رسمي لها كما هو الحال ببقية الجهات، وما كان لله ينمو.