عصابات التخدير وتجارة الموت

جريدة الشرق الأستاذة الكاتبة ليالي الفرج

لا تُعرف قيمة الحياة إلا حينما يستولي على بياضنا الموت الأسود، وفي حضرة الخراب والدمار لا يمكن أن يعلو شاهقٌ، وإنما من الطبيعيّ أن تتمزّق لوحات الجمال في المدن التي لم تعتد إلا نسائم الحبّ، فيما تحرق النار بيادر الحقول الخضراء في الريف الذي تشمخ فيه سعفات النخيل، وتستطيل في شذاه أفياء الكروم وأغصان النّارنج.

أما والحيّات الرقطاء تتربص بنا اللحظات القاتلة، فالأمر يأخذ وتيرةً لا يمكن أن تمرّ دون تصدٍّ ومجابهة ومواجهة بالفكر الرشيد والبأس الشديد، والحال هنا كما هي حال أولئك القوم الذين ورد ذكرهم في قصّة أهل السفينة التي كانت تبحر في اللجج العاتية، وأراد سفيهٌ، كان ضمن ركّاب السفينة، أن يخرقها بفأسه، فتصّدى له القوم، وإلا لو تركوه يعبث في السفينة، كان الجميع غرقى، ولكن نجا ونجوا، وهذا يأتي للتأكيد على وجوب التصدّي لكل شرّ يعرّض الناس للخطر والموت ويضعهم على كفّي مزالق السوء، التي تزلزل الرواسي، وتجلب المآسي.

ولأنّ وقع الخبر كان صادماً بما نشرته الصحف المحلية، حينما أشارت في أكثر من «مانشيت» إلى أكبر عملية تهريب للمخدّرَات على مستوى العالم؛ إذ خبر كهذا لابدّ أن يكون في وقعه زلزال وخوف وقلق، ولكن الحمد لله على ما آلت إليه الأمور، ثم الشكر للجهات التي راقبت ورصدت وتابعت وتمكنت من الإيقاع عبر عمليتين نوعيتين أمنياً، عندما أريد إدخال شحنتين من حبوب الأمفيتامين المخدرّة، وكانت كلتاهما قادمتين عبر جسر الملك فهد الرابط بين مملكتي السعودية والبحرين، التي كان وراءها شبكات تهريب دوليّة، كما أشير في البيان الذي تم نشره في حينه، وكم ستكون آثار هذا الوباء تدميرية، وعاصفة بشبابنا واقتصادنا وأمننا، في حال نجحت هذه العصابات الدولية التي تستهدف مناطقنا وأبناءنا، خاصّة أن مجتمعاتنا بالمقاييس الإحصائية تعتبر مجتمعات فتيّة وشابّة، حيث إن نسبة الشباب تشكل الرقم الأعلى في التقديرات السكانية.

إن هذه المحاولات باختراق واستهداف القوة البشرية في كل أمّة من الأمم، خصوصاً الشباب الذي يأتي كأهم مورد بشري، بل إنه أهم مورد وطنيّ، بما يمثّله من ثروة حقيقية، وهو رأس المال الفعليّ، والطاقة الفاعلة على المدى الطويل في كل بلد، إنما هي حربٌ وغزو لم يكن وليد اليوم، ولن يقف أولئك الأشرار الذين يحاولون الفتك بكل آمن ومطمئن عبر فِخاخ الشيطان، لتصطاد الأغصان الغضّة، وتحيلها إلى وقود في عمليات حربها التي يعلم الجميع أن وراءها عصابات كبيرة ومافيات تتمدد أذرعها أينما أمكنها الوصول.

وحيث إنّ البيان المذكور ستتبعه كما يتوقع إيضاحات لاحقة، فإنّ المدى لا يمكن إلغاء رؤيته، ولا تسطيح رسالته، فلا بدّ أن يكون لصناعة الوعي حضور وظهور، وريادة في تفعيل جميع الوسائل، التي توجه وترشد نحو تربية وتنشئة أسرية في إطار ووفق منظور يتناسب مع الظروف المعاصرة.
وبلغة تضع النقط على الحروف نقول: إنّ عصابات التهريب لها امتدادات تتفرع وتتمدد على شكل سلاسل وفرق، ولا بدّ من التصدّي لهم، وإيقاف تمددهم، عبر التحصين من الداخل، وبراعة الرصد والإيقاع بكل الأدوات والوسائل الحديثة عند كل نقطة قد تكون ممراً لأولئك العتاة المجرمين.

ومادام الحديث حول هذه الآفة، فإن تجارة ما يعرف بالمنشطات الرياضية المحظورة بات ينتشر منذ سنوات، وكما يبدو أن هناك من يسرح ويمرح في استغلال الفرص، ولاسيما بما يتم عبر عمليات التهريب الواسعة في تجارة مثل هذه المنشطات التي يستخدمها كثير من الرياضيين، وتشيع بين من يمارسون ألعاب القوة البدنية وبناء الأجسام، لما في هذه المواد من قدرة على زيادة حجم العضلات وتقويتها، رغم خطورتها على الإنسان بما تسببه من أضرار لا تقف عند تعطيل الكبد وغيرها من الأعضاء في المتعاطي، وإنما قد تصل إلى الوفاة، وهذا ينطبق كذلك على بعض الألعاب التي تتطلب السرعة والقوة، مثل: ألعاب القوى، التي تتنوع بين سباقات سرعة وحواجز وغيرهما، ويتذكر أغلبنا العداء العالمي بن جونسون الذي اُعتبر أسرع رجل في العالم حينما حقق الميدالية الذهبية في أولمبياد سيول في 1988م، حينما تمكن من إنهاء سباق 100م، الذي يصنف الفائز فيه كأسرع رجل في العالم، وقطع المسافة في 9 ثوانٍ و79 جزءاً من الثانية، مثل رصاصة اخترقت الزمن، ولكن بعد أن تم فحصه، تبين أنه كان متعاطياً لمنشطات محظورة، مما أنهى حياته الرياضية سريعاً.

إن المتعاطين غالباً ما يتبعون خطة تعاطٍ زمنية «كورس»، فيتعاطون بعض الإيسترويدات، أو الإفيتامين، والتستيرون، ومجموعة من الهرمونات وقائمة طويلة من هذه المحظورات التي تتنوع أسماؤها التجارية، وتخترق الحدود ليتاجر بها تجار شنطة المنشطات، وفيما تمتلئ أرصدتهم البنكية وتصل إلى الملايين، فإنّ من يتعاطون هذه الآفات ينفقون الأموال الكثيرة، ويتضررون في ذات الوقت، وهناك قائمة من الأسماء تمثل لاعبين من عدة ألعاب جماعية وفردية، يعرضها الموقع الإلكتروني للجنة السعودية للرقابة على المنشطات.
ولا يُعلم من يرصد هذه المنشطات في الصالات الرياضية والأندية التي تهتم ببناء الأجسام والرياضات التي تتطلب قوة تحمل بدني، وليس لنا إلا أن نلهج داعين، يا ربّ احفظنا واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين.

رابط المقال من جريدة الشرق

http://www.alsharq.net.sa/2014/04/23/1127178