مُحَدِّثُونَ ورُوَاةٌ جُدُد!

جريدة الشرق الأستاذ الكاتبة ليالي الفرج

بعد عهود التناقل الشفاهي للأخبار، على مستوى القبائل والمجتمعات البشرية في العصور البعيدة، وامتداداً لذلك في نطاق الأسر والتجمعات العائلية، وحتى بداية الظهور الصحفي وتطور مراحله، وإرهاصات تحولاته، كان الخبر غير المتثبّت أحد القواسم المشتركة بين تلك الفترات الزمنية البعيدة، وتلك القريبة، لكن ما لم يكن متوقعاً هو حجم الآثار التي سببتها الصدمة التكنولوجية الحديثة عبر ثورة الحاسوب ثم ثورة الاتصالات وما يمثّل تشابكهما الكوني من صناعة تتبين عظمة مخرجاتها واتساعها حينما نقارن بين ألواح الكتابة الطينية التي عاصرها ستّينيّو العمر، وبين الأجهزة اللوحيّة التي تتلاقفها في أيامنا هذه أيدي أطفالنا، فضلاً عن أيدينا، ونشاهد السرعة الهائلة التي تتقدم فيها تقنيات الاتصال ووسائله، سواءً عبر تطور طرق الاتصال وبروتوكولاته، أو حينما تتطور الأجهزة البصرية ليتحول جهاز التلفاز إلى جهاز ذكي يجمع بين ميزات الكمبيوتر والتلفاز والهاتف في أجهز التلفاز الذكية، أو ما يطلق عليها «سمارت تي في».

إن الافتتان بمنتجات العصر لا يمنع أن نشخّص ما يقع أحياناً من سوء استثمار لهذه المنتجات، حينما تنتشر مظاهر الأخبار المفبركة والملفقة والكاذبة والمفترية، أو عندما تظهر الشائعات التي تبين مدى الرعونة والسلبية التي تجتاحنا، فتعثر خطوات تقدم الإنسان كلما انفصل عن رشده وانحسر هدي وعيه وانكفأ سلوكه الإيجابي وحضوره الفعّال.
وكم نستحضر من شواهد نصوصيّة في تراثنا الإسلامي وأدبنا العربي، فيما يوجه إلى تبنِّي التعاطي الصادق والتثبّت الجازم حين نقل الأخبار ونشرها.
 [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...] الإسراء: 36.

هنا نهيٌ صريحٌ بعدم اتّباع كل خبر لم يتم الوصول إلى درجة القطع بصحته.
وكما قالت العرب: «آفة الأخبارِ رواتُها»، فكثير مما يتم تناقله كله منقول عبر واسطة، وجلّه إما مضّطرب أو واهن أو مفترى، ففي علوم الدراية والرواية احتاج الناس لعلوم الجرح والتعديل، التي تهتم بتشريح دقة وضبط وأمانة ناقل الرواية.

ومع أبواب التطور والمدنيّة الحديثة، صار أغلبنا يتناقل الأخبار متى ما وردته على جواله أو جهازه اللوحيّ وما أشبه، إن كان «مُوَتْسِبَاً»، وتارةً «يُفَسْبِكُ» خلال هاتفه الذكيّ ونحوه.
وذات مرّة طالعت ما يعرف في لغات برمجة الكمبيوتر أو في علوم الإدارة بالمخطط الانسيابي (Flow Chart)، وكان يصف في لغة بصرية، المنهج المنطقي المتوافق مع القيم والأخلاق عند تمييز الخبر الواصل لنا عبر إحدى القنوات الاتصالية المحتملة، ويوجّه أنه في حالة ورود خبر يجب أن نسأل أنفسنا: هل هذا الخبر صادق أم كاذب؟ فإن كان كاذباً فلقد كفينا أنفسنا المؤونة، إذ يجب عدم نشره قطعاً، أما حينما يكون الخبر صادقاً فيلزمنا استفهام آخر، وهو: هل نشر هذا الخبر الصادق مفيد؟ فإن كان مفيداً، نشرناه، ولعلنا نذكر في هذا المورد حكمة مشهورة معناها: «ما كلُّ ما يُعلمُ يُقال، ولا كلُّ ما يُقال حان وقتُه، ولا كلُّ ما حان وقتُه حضر أهلُه».

والسؤال، الذي هو تقرير صريح، كم من الأخبار أو الشائعات أو المفتريات ما سببت تفكيك أسرة، أو أدّت إلى سخيمة، أو أنتجت عداوة، أو فتّتت علاقة قوية، أو أحدثت جريمة قتل، أو أضعفت قوة مجتمع مترابط؟ وكل ذلك بسبب الكذب الأسود، إذ لا بياض في الكبائر.

رابط الخبر من جريدة الشرق:

http://www.alsharq.net.sa/2014/05/03/1133799