كأس العالم احتكار وابتزاز لمنطقتنا

جريدة الشرق الأستاذ الكاتبة ليالي الفرج

يتفق الجميع على أن لغة الرساميل لا تحمل سوى خطاب ينظر للناس بقدر الذي في جيوبهم، لأن الهدف الأول والأخير هو كيف يزداد هذا الرأسمال، حتى وإن اقتحم كل الوسائل واستعمل كل الطرق والحيل، فما يهم هنا عند حاملي هذا الفكر هو المال فحسب، وإن سقطت كل المثل أو تم التجاوز على كل القيم، فالغاية محددة سلفاً، ولا مناص إلا بتحقيقها، وإن سُحقت معاني الإنسانية.

وإن خطاباً من هذا النوع، حتماً سيكون مجافيا لكل ما يتعلق بالروح الرياضية حتى على مستوى الشعار الذي ترفعه المؤسسات الرياضية العالمية، فكل الأولويات تهتم بزيادة مساحة التسلط والاحتكار لهذه المنافسات الرياضية التي تحظى بمتابعة واسعة كونها تختص باللعبة الأكثر جماهيرية والأوسع شعبية على مستوى العالم، وبهذا فإن احتكار نقل المباريات ظهر منذ البطولة السابقة في دورتها التاسعة عشرة التي أقيمت في عام 2010 في جنوب إفريقيا، بعد أن كان جميع عشاق هذه الرياضة وهذا الحدث العالمي الكبير، الذي يجمع كل قارات العالم، يتمتعون بمشاهدة مجانية منذ أن عرفوا أجهزة التلفاز الأبيض والأسود، حيث يظن أن أول متابعة لجماهير هذه اللعبة في هذه البطولة كانت على الأرجح في عام 1974 قبل أن تظهر أجهزة التلفاز الملونة، حينما أقيمت البطولة العاشرة في ألمانيا الغربية آنذاك، قبل أن تنضم لنصفها الشرقي مرة أخرى 1990 بعد سقوط جدار برلين في 1989.

والنتيجة أنّ تحولاً ببركات ظهور مفاهيم الألفية الثالثة وفي مقدمتها: العولمة والفضائيات وثورة الاتصالات عبر كيابل الألياف البصرية والأقمار الصناعية التجارية التي تدور في الفضاء الخارجي للأرض، ليتم تسليع منتجاتها المرئية، ويتم الانتقال إلى ما يعرف بالاحتكار الوافد إلينا من ثقافة الغرب الرأسمالي، ولتبيعنا فرص مشاهدة ومتابعة بطولة كأس العالم لكرة القدم، ولكن بأسعار فيها من الابتزاز والاستغلال الذي يفرضه الاحتكار ما يوسّع الفجوة التي صنعتها الطبقية الصريحة، دون مبالاة ولا اكتراث لمن يعشقون متابعة هذه اللعبة، ولكنهم في نفس الوقت يعجزون أن يطعموا أبناءهم نتيجة لارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة مع ازدياد التضخم وتداعيات التحولات الراهنة في الثقافة المجتمعية عندما انصهرت الكماليات في الضروريات، ولم يستطع أغلبنا التفريق.

ومن باب أن الشيء بالشيء يذكر، فقبل نحو عشر سنين كان أحد المستثمرين في الإعلام الفضائي يقول صراحة إن من لا يستطيع أن يدفع فليس ملزماً أن يشاهد مباراة في بطولة كأس العالم لكرة القدم، وتناسى رجل الأعمال المشار إليه أنّ كثيرا مما يدخلونه في البطون نتيجة الابتزاز الذي وصل إلى أن ترتفع تكاليف الاشتراك الواجب دفعها للتمتع بمشاهد هذه البطولة إلى ما يقارب 1300 ريال، وربما أكثر، بعد أن كانت هذه الرسوم في البطولة السابقة تبلغ نحو 300 ريال، وبالتالي يفقد كثيرون هذه الفرصة، وقد يلجأ كثيرون إلى متابعة ذلك خارج منازلهم، في بعض المقاهي الشعبية أو غيرها، وهذا يتسبب في عودتهم متأخرين إلى منازلهم لأن موعد المباريات متأخر نتيجة فارق التوقيت بين منطقتنا والبرازيل حيث تقام البطولة بين شهري يونيو ويوليو القادمين.

وبين استغلال الاحتكار، وجشع الابتزاز، يتم تكريس المفهوم الذي ينظر للإنسان بأنه مستهلك لكل ما تنتجه مخرجات الرساميل في وقتنا الراهن، وبينما نعرف أن «الاحتكار داعية الحرمان»، فإننا نمضي تحت أغلال الإجبار والاستغلال.

رابط المقال من جريدة الشرق:

http://www.alsharq.net.sa/2014/05/07/1136821