العنف .. كيميائية عجز القلب والعقل

جريدة الشرق الأستاذة الكاتبة ليالي الفرج

في صورة مقلوبة ومعطوبة، يظهر للبعض أن العنف هو أحد إفرازات مظاهر القوة والتمكُّن، وإنه اليد الطولى التي تصرع كل ما يُواجهه ويُصارعه من مواقف قائمة، غير أن العنف في صورته الحقيقية ترجمة لحالة من الضعف والعجز العقلي، إذ يفشل الممارس له في تناول الأمور بمنطقية التفكير وحكمتها، وكذلك هو ترجمة لحالة من العجز العاطفي لفشل القلب في توظيف الجانب العاطفي في احتواء الموقف بمكوناته، والتعاطي معه من خلال كسر شحنات القسوة بالعاطفة، فنجده يُعبر عن تلك الحالة من الفشل والعجز عن التعاطي مع الأمور إلا بموجات من العنف المُشتعل بذبذبات من العشوائية في التفكير البعيد عن المنطقية، فيُلبس سلوكنا الوجه القبيح من الفعل والقول، يتفاوت ما بين اللفظة السلبية العنيفة الجارحة وقد ينتهي بإزهاق روح جراء مسلك إجرامي.

مشاهد عنيفة تَغرِس في طرف آخر عنفاً قادماً، سنعرضها علَّنا نضيء ناحية مظلمة في حياة البعض، فيبادر بمراجعات قالبة لبعض السلوكيات الملاصقة ليومياته:
– نلحظ أحياناً، في البيئة التعليمية التربوية صوراً من العنف الإجرائي يتمثل في التعاطي مع التلامذة غير المنضبطين سواء على مستوى السلوك أو المهام المدرسية، فيُترجم بصورة من العنف الإجرائي على يد المدير أو المعلم بصور غير تربوية ولا إنسانية في بعض الأحيان، كالتعنيف اللفظي بألفاظ جارحة وقاسية على النفس، أو بانتهاج إجراء الفصل أو الطرد من المحيط التعليمي، أو العنف الجسدي، وربما يصل الأمر للتشهير أمام الزملاء وإبداء كل قبيح يمس هذا المُعاقَب، وهنا لا نلتمس الحكمة والعقلانية والتمكن الإداري في ضبط المخالف من التلاميذ، فأقصر الطرق وأسهلها بالنسبة لهذا المسؤول هو إنهاء الأمر فوراً، ودون بذل أدنى جهد لمعالجة السلوك الخاطئ أو حتى محاولة فهم أسباب نشوء هذا الخطأ.
بالتأكيد إن إنهاء الأمر بهذه الطريقة هو عجز وضعف في القدرة على إدارة وضبط المجتمع الدراسي، وطريقة الإنهاء هذه بداية لعنف قادم، غرسناه في أعماق هذا المُعاقَب بهذا الأسلوب غير التربوي، فساهمنا في مُخرجات مشحونة بذبذبات من العنف القابل للنمو والانفلات في مجتمع أوسع مستقبلاً.

– وفي مشهد عائلي.. مجدي وأمجد أخوان مراهقان، في حالة دائمة من العصبية والصراع فيما بينهما، وجميعنا على علم ودراية بما يكتنف الأبناء في هذه المرحلة -المراهقة- من تغيرات فسيولوجية ونفسية وغيرها، مما يتسبب في تغيير الحالة المزاجية والعصبية والسلوكية، وينوه علماء النفس والتربية إلى مدى حساسية التعاطي مع هذه المرحلة، وأنها تحتاج لدراسة الإجراءات المُتَّبعة وكيفية المعالجة بالصورة الصحيحة لأي سلوك خاطئ ينتج من المراهق، فينشأ هنا مشهد غير مقبول إنسانياً: يدخل الأب المنزل مُرهقاً بعد عناء يوم من العمل، ليجد ابنيه في حالة من الصراخ وتبادل الاتهامات، فما كان منه إلا أن أمرهما بإنهاء الشجار فوراً، ولم يكترثا لكلامه، فإذا به ينهال عليهما بالضرب المبرح والعشوائي لينتهي الأمر حالاً، فعمَّ الهدوء بعد المعركة الأبوية، وخلد الأب في قيلولته اليومية منعماً بالهدوء.
سلك هذا الأب أقصر طريق لإنهاء الإشكال القائم، مُتجاهلاً أو جاهلاً للغرسة -المشحونة بالعنف المكبوت- التي بذرها داخل أعماق هذين الابنين، حالة من الكبت قابلة للانفلات في مكان ما ومع طرف ما وفي زمن ما.

– في الاجتماع الدوري مع الأهل والأقارب، وعلى وجبة عشاء عامرة، تتخللها الأحاديث الشيقة والضحكات المتبادلة، لم تهدأ طفلة الخامسة هنادي من عبثها وتخريبها، يُدوي صراخها حين تمنعها أمها من العبث في أطباق الطعام وسكب المشروبات، وفي مثل هذه المواقف يتعرض الآباء لكثير من الإحراج، وبعضهم يلجأ لأعنف وأقصر الطرق لتخفيف الحرج أمام الآخرين بالضرب والتعنيف اللفظي، وهذا ما قامت به أم هنادي، رغم أن هناك خياراً أسهل وأقل ضرراً على هذه الطفلة غير المدركة لطبيعة الحدث، ألا وهو الانسحاب بهدوء من هذا المحفل أو الخروج المؤقت لإلهاء هذه الطفلة وتهدئة شحناتها المتوقدة.

هكذا تنبت أولى بذرات العنف في الأفراد، لتنطلق فيما بعد سلوكاً عنيفاً في المجتمع الإنساني، يتنامى ويستشيط جرماً مُدمراً لبنية العلاقات والتعاملات البشرية، فكم من مُدان بجريمة بعد التحقيق ودراسة الحالة تم التوصل إلى أنَّ العنف الأسري أو المدرسي والمجتمعي كان بذرة بداية في مشواره الإجرامي والمنتهِج لأساليب العنف، ولا نغفل عن الأسباب المتعددة الأخرى كالإدمان على مشاهدة أفلام العنف وإن كانت أفلاماً كرتونية، والألعاب الإلكترونية التي تربعت في زوايا البيوت، التي هي في محتواها ممارسات وتمرُّس في فنون القتال والضرب، التي غزت البلاد والعباد دون أدنى رقابة من الجهات الرسمية المسؤولة، فهي أكثر وقعاً وأثراً على التكوين الفكري والنفسي وبالتالي السلوكي من وَقْع تلك الكتب التي يتم وأدُها بالمنع من حضورها وعرضها في معارض الكتاب دون أسباب موضوعية ومقنعة، إذ ليس من المنطقي أن أمنع قارئاً بلغ من مراحل الإدراك التي تؤهله لاختيار الكتاب النافع ورفض الكتاب الذي لا يتقبله فكره وعقله، فهذه الوصاية غير مُجدية مع جيل الثقافة والانفتاح، فالمراهق في ظني أكثر حاجة لوجود تلك الرقابة على كل ما يمكن أن يُغذيه بأفكار وسلوكيات من خلال بيئة حاضنة للعنف كتلك البيئة التفاعلية -ألعاب العنف الإلكترونية- التي توجِّه سلوكه وتزرع منابت العنف، وكما أوضح الدكتور جوردن غرافمان من المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية في بيتيسيدا -الولايات المتحدة- أن دماغ المراهقين في كيفية معينة يتجاوب لأنواع العنف التي تحتويها تلك الألعاب العنيفة، وهذه حقيقة لابُد من التيقظ لها، فدماغه في مرحلة استقبال واستنبات لعنفٍ ناشئ.

رابط الخبر من جريدة الشرق:

http://www.alsharq.net.sa/2014/05/23/1147310